أحمد مصطفى المراغي

65

تفسير المراغي

أردف ذلك بيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم لمثل تلك الدواعي التي دعت إلى إرسال موسى عليه السلام ، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ، ولأن رحمته اقتضت ألا يعذب أحدا إلا إذا أرسل رسولا ، ويتضمن ذلك كون القرآن وحيا من عند اللّه ، لأن ما فصل فيه من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها ، وقد انتفى كلاهما فتبين أنه بوحي من علام الغيوب . الإيضاح ( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) أي وما كنت حاضرا بجانب الجبل الغربي الذي وقع فيه الميقات وأعطى اللّه فيه ألواح التوراة لموسى حين عهدنا إليه أمر النبوة ، وما كنت من جملة السبعين الذين اختيروا لسماع تفاصيل ذلك الأمر الذي أوحينا به إلى موسى حتى تخبر به كله على الوجه الذي أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة . وخلاصة ذلك - إن إخبارك بالغيوب الماضية التي لم تشهدها وقد قصصتها كأنك سامع راء لها وأنت أمي لا نقرأ ولا تكتب ، وقد نشأت بين قوم أميين لا يعرفون شيئا من ذلك - لهو من أعظم البراهين على نبوتك ، وإن إخبارك بذلك إنما هو بوحي من اللّه كما قال : « أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى » . ( وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ) أي ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه فدرست العلوم فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء ، وأحوال موسى ، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر . والخلاصة - إنك ما كنت شاهدا موسى وما جرى له ولكنا أوحيناه إليك ، وفي هذا تنبيه إلى المعجزة كأنه قال : إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلّم من أهله - لدلالة ظاهرة على نبوتك .